صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

1378

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

لكم « 1 » ، كفيلا بأموركم ، شريكا ( عن مجاهد ) وقيل غير ذلك « 2 » . قال الشّنقيطيّ في أضوائه : المعاني كلّها متقاربة ، ومرجعها إلى شيء واحد هو أنّ الوكيل : من يتوكّل عليه ، فتفوّض الأمور إليه ، ليأتي بالخير ويدفع الشّرّ . وهذا لا يصحّ إلّا للّه وحده جلّ وعلا . ولهذا حذّر من اتّخاذ وكيل دونه لأنّه لا نافع ولا ضارّ ولا كافي إلّا هو وحده جلّ وعلا ، عليه توكّلنا ، وهو حسبنا ونعم الوكيل « 3 » . من أسماء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : المتوكّل . كما في الحديث : « . . . وسمّيتك المتوكّل » وإنّما قيل له ذلك صلّى اللّه عليه وسلّم لقناعته باليسير والصّبر على ما كان يكره « 4 » . واصطلاحا : صدق اعتماد القلب على اللّه - عزّ وجلّ - في استجلاب المصالح ودفع المضارّ من أمور الدّنيا والآخرة ، وكلة الأمور كلّها إليه ، وتحقيق الإيمان بأنّه لا يعطي ولا يمنع ولا يضرّ ولا ينفع سواه « 5 » . وقال الجرجاني : التّوكّل هو الثّقة بما عند اللّه واليأس عمّا في أيدي النّاس « 6 » . الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل : قال ابن قيّم الجوزيّة : التّوكّل من أعظم الأسباب الّتي يحصل بها المطلوب ، ويندفع بها المكروه . فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التّوكّل . ولكن من تمام التّوكّل : عدم الرّكون إلى الأسباب . وقطع علاقة القلب بها ، فيكون حال قلبه قيامه باللّه لا بها ، وحال بدنه قيامه بها . فالأسباب محلّ حكمة اللّه وأمره ونهيه . والتّوكّل متعلّق بربوبيّته وقضائه وقدره ، فلا تقوم عبوديّة الأسباب إلّا على ساق التّوكّل ولا يقوم ساق التّوكّل إلّا على قدم العبوديّة « 7 » . بين التوكل والاتّكال : إنّ الأخذ بالأسباب مع تفويض أمر النّجاح للّه تعالى والثّقة بأنّه عزّ وجلّ لا يضيع أجر من أحسن عملا ، هو من التّوكّل المأمور به ، أمّا القعود عن الأسباب وعدم السّعي فليس من التّوكّل في شيء وإنّما هو اتّكال أو تواكل حذّرنا منه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونهى عن الأسباب المؤدّية إليه ، مصداق ذلك ما جاء في حديث معاذ - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا معاذ ، تدري ما حقّ اللّه على العباد وما حقّ العباد على اللّه ؟ » قال ( معاذ ) : قلت : اللّه ورسوله أعلم . قال : « فإنّ حقّ اللّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ، وحقّ العباد على اللّه عزّ وجلّ ألّا يعذّب من لا يشرك به شيئا » قال : قلت : يا رسول اللّه ، أفلا أبشّر النّاس ؟ قال : « لا تبشّرهم فيتّكلوا » « 8 » ، وهنا يضع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم قاعدة جليلة ، هي أنّ كلّ ما يؤدّي

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري مجلد 8 جزء 15 ص 15 . ( 2 ) انظر تفسير القرطبي ( 10 / 213 ) . ( 3 ) أضواء البيان ( 3 / 367 ) . ( 4 ) فتح الباري ( 8 / 450 ) . ( 5 ) جامع العلوم والحكم لابن رجب ( 409 ) . ( 6 ) التعريفات ( 74 ) . ( 7 ) مدارج السالكين ( 2 / 125 ) . ( 8 ) مسلم ( 30 ) .